الجصاص

28

الفصول في الأصول

مأمورون فيها بترك الانصراف عنه ، إلى شريعة النبي عليه السلام ، فثبت أن ما كان في التوراة من حكم الرجم ، صار شريعة لنبينا صل الله عليه وسلم ، وخرج من أن يكون شريعة لموسى عليه السلام في تلك الحال ، بل صارت تلك الشريعة منسوخة بشرائع الرسول عليه السلام ، إذ كان الرسول مبعوثا إلى كافة الناس . ووجه آخر من دلالة هذه الآية على ما ذكرنا : وهو قوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) ( 1 ) إلى قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ( 2 ) - والظلم هو وضع الشئ في غير موضعه - فلو لا أن هذا الحكم الذي كان في التوراة قد صار من شريعة الرسول عليه السلام بعينه ، وإعلامه أن التوراة كذلك ، لما كان اليهود ظالمين بالإعراض عن ذلك الحكم به ، على أنه حكم التوراة ، لأنهم كانوا مأمورين في تلك الحال بالانتقال عنه إلى حكم شريعة الرسول عليه السلام ، فدل : على أنهم إنما استحقوا سمة الظلم والوصف به من حيث لم يعتقدوا شريعة النبي عليه السلام . ثم قال تعالى في الآية الأخرى : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) ( 3 ) فلا يخلو قوله ذلك من أحد معنيين : إما أن يكون قد استحقوا الذم - لأنهم لم يحكموا بما في الإنجيل بعد بعثة النبي عليه السلام ، ودعائه إياهم إلى دينه ، على أنه من حكم الإنجيل شريعة لعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، دون أن تكون شريعة لنبينا عليه السلام ، أو على أنه من شريعة النبي عليه ( السلام ) ( 4 ) دون كونه من شريعة عيسى عليه السلام . وغير جائز أن يقال : إنهم استحقوا الذم وسمة الفسق ، لأنهم أمروا في هذه الحال بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لعيسى عليه السلام ، لأن هذا يوجب أن لا يكونوا مأمورين باتباع النبي عليه السلام ، في شرائعه ، بل يقتضي : أن يكونوا مأمورين بالبقاء على شريعة عيسى عليه السلام ، وبلوغهم دعوته بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لنبينا عليه السلام ، ما لم يأمرهم بخلافها ونسخها ، ومن أجل ذلك وصفهم بالفسق ، لأنهم زالوا عن حد ما يجب عليهم المصير إليه ، من اتباعه ، والحكم بما في الإنجيل ، على أنه من شريعته صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك أوضح دليل على صحة ما قلنا ، والله الموفق للصواب .